أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
5
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الوقف فترك الهاء على حالها في الوصل ثم نقل حركة الهمزة إلى الهاء فكذلك هذا . وقد رد بعضهم هذا الدليل وقال : الهمزة في « أربعة » همزة قطع فهي ثابتة ابتداء ودرجا فلذلك نقلت حركتها بخلاف همزة الجلالة فإنها واجبة السقوط فلا تستحق نقل حركتها إلى ما قبلها فليس وزان ما نحن فيه . قلت : وهذا من هذه الحيثية صحيح والفرق لائح إلا أن حظ الفراء منه أنه أجرى فيه الوصل مجرى الوقف من حيث بقيت الهاء المنقلبة عن التاء وصلا لا وقفا واعتدّ بذلك ونقل إليها حركة الهمزة وإن كانت همزة قطع . وقد اختار الزمخشري مذهب الفراء وسأل وأجاب فقال : « ميم حقّها أن يوقف عليها كما يوقف على ألف ولام وأن يبتدأ بما بعدها كما تقول : واحد اثنان وهي قراءة عاصم وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف . فإن قلت : كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأن ثبات حركتها كتباتها ؟ قلت : هذا ليس بدرج لأن ميم في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت وإنما حذفت تخفيفا وألقيت حركتها على الساكن قبلها لتدل عليها ونظيره : « واحد اثنان » بإلقائهم حركة الهمزة على الدال » . قال الشيخ : « وجوابه ليس بشيء لأنه ادعى أن الميم حين حركت موقوف عليها ، وأن ذلك ليس بدرج ، بل هو وقف وهذا خلاف ما أجمعت عليه العرب والنحاة من أنه لا يوقف على متحرك البتة سواء كانت حركته إعرابية أم بنائية أم نقلية أم لالتقاء الساكنين أم للاتباع أم للحكاية فلا يجوز في « قد أفلح » إذا حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى دال « قد » أن تقف على دال قد بالفتحة بل تسكنها قولا واحدا » . وأما قوله : « ونظير ذلك « واحد اثنان » بإلقاء حركة الهمزة على الدال فإن سيبويه « 1 » ذكر أنهم يشمون آخر واحد » لتمكنه ، ولم يحك الكسر لغة ، فإن صح الكسر فليس « واحد » موقوفا عليه كما زعم الزمخشري ، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل ، ولكنه موصول بقولهم : اثنان فالتقى ساكنان : دال واحد وثاء اثنين فكسرت الدال لالتقاء الساكنين وحذفت همزة الوصل لأنها لا تثبت في الوصل . قلت : ومتى ادعى الزمخشري أنه يوقف على ميم من : ألف - لام - ميم - وهي متحركة حتى يلزمه بمخالفة إجماع العرب والنحاة وإنما ادعى الرجل أن هذا في نية الموقوف عليه قبل تحريكه بحركة النقل ، لا أنه نقل إليه ثم وقف عليه ، هذا لم يقله البتة ، ولم يخطر له ببال ثم قال الزمخشري : « فإن قلت : هلّا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين ؟ قلت : لأن التقاء الساكنين لا يبالي به في باب الوقف وذلك قولك : هذا إبراهيم وداود وإسحاق ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرّك - الميمان في ألف لام ميم لالتقاء الساكنين ولما انتظر ساكن آخر » . قال الشيخ « 2 » : « وهو سؤال صحيح وجواب صحيح لكن الذي قال : « إن الحركة هي لالتقاء الساكنين » لا يتوهم أنه أراد التقاء الياء والميم من « ألم » في الوقف ، وإنما عنى التقاء الساكنين اللذين هما ميم ميم الأخيرة ولام التعريف كالتقاء نون « من » ولام الرجل إذا قلت : « من الرجل » قلت : هذا الوجه هو الذي قدمته عن بعضهم وهو مكي وغيره . ثم قال الزمخشري : « فإن قلت : إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق
--> - الهاء ففتحها ولم يحولها تاء ، لأنه جعلها ساكنة ، والساكن لا يتغير في الإدراج تقول : اضرب ، ثم تقول : اضرب زيدا . ( 1 ) انظر الكتاب 3 / 265 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 375 .